محمد محمد أبو موسى

672

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

ويقول الزمخشري في هذه الآية : « فان قلت : أي فائدة في ذكر الصدور ؟ قلت : الذي قد تعورف واعتقد أن العمى على الحقيقة مكانه البصر وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها ، واستعماله في القلب استعارة ومثل ، فلما أريد ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف ليتقرر أن مكان العمى هو القلوب لا الأبصار ، كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكن للسانك الذي بين فكيك . فقولك « الذي بين فكيك » تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت ، لأن محل المضاء هو لا غير وكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة ولا سهوا منى ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمدا » « 127 » . وبالمقارنة نلحظ أن ابن الأثير لم يغير الا في كلمات ليس التغيير فيها ذا غناء ، على أنه يحذف من كلام الزمخشري أحيانا صورا وأمثالا يذكرها الزمخشري لبيان طريقة الأسلوب كما رأيناه هنا يحذف قولهم : « ليس المضاء للسيف » . . . . إلى آخره . ويقول ابن الأثير في قوله تعالى : « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » « 128 » : « والتمثيل يصح لقوله : « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ » وهو تام ، لكن في ذكر الجوف فائدة وهي ما أشرت إليها ، وفيها أيضا زيادة تصوير للمعنى المقصود لأنه إذا سمعه المخاطب به صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان ذلك أسرع إلى انكاره » « 129 » . وهذا مأخوذ من قول الزمخشري في هذه الآية : « فان قلت : أي فائدة في ذكر الجوف ؟ قلت : الفائدة فيه كالفائدة في قوله : « الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور والتجلي للمدلول عليه لأنه إذا سمع به صوّر لنفسه جوفا يشتمل على قلبين فكان أسرع إلى الانكار » « 130 » .

--> ( 127 ) الكشاف ج 3 ص 128 ( 128 ) الأحزاب : 4 ( 129 ) المثل السائر ج 2 ص 361 ( 130 ) الكشاف ج 3 ص 412